محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
9
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
المعتمدينَ على ما يَدْرُسُونهُ من أقوالِهم في العملِ والفتوى أن يَحْفَظُوا كُتُبَ الفروعِ عن ظهورِ قلوبِهم ، ولا يَحِلُّ لهم أن يَعْتَمِدُوا في العملِ والفُتيَا على الرُّجُوعِ إلى كُتُبِهِم ، لأنّهُ إذا ضَاعَ على أحدِهم كتابُهُ أو سُرِقَ أو نُهبَ أو اغتُصِبَ ، لَزِمَ أَنْ يُقالَ : إنَّهُ ضاعَ عليهِ تقليدُه ، ونُهِبَ فتواهُ ، واغتُصِبَ عليهِ عِلْمُ إمامهِ الذي اختارَهُ للتقليدِ وارتضاهُ ، فأصبحَ مسلوبَ التقليدِ ، عديمَ الاجتهادِ ، يَسْألُ عن ضالَّةِ تَقليدِهِ كُلَّ حاضرٍ وبادٍ . فإن قلت : إنَّه يُقالُ : سُرِقَ عليه كتابٌ ، كما يقولُ ذوو الألبابِ ، وعليه أن يَرْجِعَ إلى سائرِ الكتبِ المُصَحّحاتِ ، وإلى سائرِ العلماءِ الثقاتِ . قُلنا : ولنا إن نجيبَ بمثلِ هذا الجوابِ ، فَدَعْ عنكَ التَّهويلَ بذكرِ السَّرِقَةِ والاغتصابِ . وكذلك لو صحَّ الاستدلالُ على وجوبِ الواجباتِ بِمُجَرَّدِ التَّجَوُّزِ في العباراتِ ، وجبَ غيبُ القرآنِ والسُّنَّة والنحوِ والأدبِ وسائرِ الفنونِ السَّمْعِيَّةِ والعلوم النَّقْلِيَّةِ ، لئلا يُقالَ للقارئ في شيءٍ منها إذا سُرِقَ كتابُه أو نُهِبَ أو ضَلَّ أو غُصِبَ : إنَّه سُرِقَ على فلانٍ قراءتُه ، وغُصِبَتْ عليه سُنَّتُه ، وَنُهِبَ على فلانٍ عِلْمُ النحوِ والأدب ، وظُلِمَ نوادر أشعارِ العربِ ، ونفائِس الرَّسائلِ والخطب . النظرُ الثاني : مِن قَبيلِ المعارضةِ أيضاً ، وذلك أنَّ الأمَّة أَجْمَعَت على أنَّه يجبُ على المُجتهدِ أن يَرْجِعَ في طلب الأدلةِ عند حدوثِ الحادثةِ إلى مَنْ في بلدِهِ مِن العلماءِ ، فقد قدَّمنا روايةَ المنصورِ باللهِ ، وأبي طالبٍ - عليهما السلامُ - عن عليٍّ - عليه السلامُ - أنَّه كانَ يَسْألُ عَمّا لم يَسْمَعْ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ويَسْتَخْلِفُ مَن يتَّهِم ( 1 ) .
--> ( 1 ) انظر تخريجه في الصفحة 284 من الجزء الأول .